البحث
موسكو وكييف أمام جولة تفاوض جديدة.. واشنطن تدفع نحو صيغة ثلاثية لإنهاء الحرب

عادت احتمالات استئناف المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا إلى الواجهة، بعد تحركات أمريكية شملت موسكو وكييف، في وقت تتمسك فيه روسيا بمعالجة ما تصفه بالأسباب الجذرية للصراع ضمن أي تسوية محتملة.

 

ويرى الكاتب الروسي دانييل سيتشكين، في تقرير نشرته وكالة “إزفيستيا” الروسية، أن عودة الاتصالات المباشرة بين موسكو وواشنطن، ثم انتقال المبعوثين الأمريكيين إلى كييف، تمثل تطورًا مهمًا في مسار الأزمة الأوكرانية بعد فترة طويلة من انقطاع التواصل على هذا المستوى.

 

وبحسب التقرير، وصل المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو في الخامس من سبتمبر، في أول زيارة لهما إلى روسيا منذ سبعة أشهر، وعقدا اجتماعًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين استمر أكثر من ثلاث ساعات.

 

وشارك في الاجتماع مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف ورئيس صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي كيريل دميترييف، فيما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن قبل الزيارة امتلاك واشنطن “أفكارًا للسلام”.

 

وأشار أوشاكوف إلى أن الوفد الأمريكي طرح مجموعة من التصورات بشأن المسارات المحتملة للخروج من الأزمة، دون الكشف عن تفاصيلها.

 

من جانبه، عرض بوتين موقف موسكو، مؤكدًا أن التسوية لا ينبغي أن تقتصر على وقف العمليات القتالية، وإنما يجب أن تتعامل مع الأسباب الأساسية للصراع.

 

وتطرقت المحادثات كذلك إلى تفاهمات سابقة بين روسيا والولايات المتحدة خلال قمة أنكوراج، إذ أكد الكرملين أن بعض عناصرها لا تزال مطروحة، رغم عدم وضوح مدى إمكانية تطبيقها من الجانبين الأمريكي والأوكراني.

 

وفي اليوم التالي، انتقل ويتكوف وكوشنر إلى كييف، حيث عقدا مباحثات مع الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، بحضور مستشاري الأمن القومي في بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

 

ووصف الجانب الأمريكي المحادثات بأنها مثمرة، معلنًا العمل بالتنسيق مع الحلفاء على إعداد خطة سلام محدثة، مع محاولة تحقيق تقدم قبل حلول فصل الشتاء.

 

كما أعلن كوشنر أن ترامب كلف بإعداد حزمة من الوثائق تمهيدًا للتوصل إلى اتفاق سلام، وسط رغبة أمريكية في إعادة المفاوضات إلى مسار ثلاثي يضم روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا.

 

ورغم هذه التحركات، لا تزال الخلافات بين موسكو وكييف قائمة، إذ أعلن زيلينسكي أن بلاده تدرس مواصلة العمليات العسكرية، كما دعا الحلفاء إلى تجهيز مساعدات لفصل الشتاء تتضمن المزيد من إمدادات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي.

 

وجدد الرئيس الأوكراني رفضه التخلي عن دونباس مقابل تحقيق السلام، فيما تتمسك موسكو بانسحاب القوات الأوكرانية من الأقاليم الروسية الجديدة الأربعة، لتبقى القضية الإقليمية من أبرز العقبات أمام أي اتفاق.

 

وتمثلت إحدى أبرز النتائج العملية للمحادثات، وفق التقرير، في التوصل إلى اتفاق مؤقت بشأن وقف استهداف العاصمتين، إذ أمر بوتين بتعليق الهجمات على أهداف في كييف لمدة ثلاثة أيام، فيما أعلنت أوكرانيا الامتناع عن مهاجمة موسكو حتى نهاية يوم الاثنين.

 

ويرى المحلل السياسي أندريه كورتونوف أن استئناف الاتصالات بعد انقطاع طويل يمثل بحد ذاته إشارة إيجابية، معتبرًا أن استمرار اجتماع الكرملين لأكثر من ثلاث ساعات يشير إلى بحث ملفات تتجاوز إعادة طرح المواقف السابقة.

 

وبحسب التقرير، تبدو واشنطن أكثر استعدادًا لمواصلة المسار الدبلوماسي، في ظل حديث مصادر في البيت الأبيض عن خطوات محددة قد يتم الإعلان عنها خلال الأسابيع المقبلة، بالتزامن مع تأكيد موسكو استمرار قناة الاتصال مع الجانب الأمريكي.

 

ولم تقتصر المحادثات على الحرب في أوكرانيا، بل امتدت إلى العلاقات الاقتصادية بين روسيا والولايات المتحدة وإمكانات تنفيذ عدد من المشاريع المشتركة، ما يفتح الباب أمام ارتباط أي تقدم في الملف الأوكراني بمستقبل العلاقات بين موسكو وواشنطن.

 

في المقابل، يظل الموقف الأوروبي أكثر تعقيدًا، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي دعمه للجهود الدبلوماسية الرامية إلى الوصول إلى “سلام عادل ومستدام”، بينما تستمر الخلافات بين الدول الأوروبية بشأن التعامل مع روسيا.

 

ففي الوقت الذي تدعو فيه بعض العواصم إلى مواصلة العقوبات والضغط على موسكو، ترى أطراف أخرى أن استمرار المواجهة لن يقود إلى نتيجة، وأن إعادة فتح قنوات التواصل مع روسيا باتت ضرورية.

 

ويأتي ذلك بينما يستعد الاتحاد الأوروبي لفرض الحزمة الثانية والعشرين من العقوبات، مع بحث توسيع قوائم الأشخاص والشركات المستهدفة، بالتزامن مع استمرار تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا.

 

وأكد بوتين، وفق التقرير، أن موسكو لا تستهدف تجميد الصراع، وإنما تسعى إلى تحقيق ما وصفه بـ”سلام طويل الأمد ومطلق” في أوكرانيا وأوروبا، معتبرًا أن الوساطة يمكن أن تؤدي دورًا، لكن القرار النهائي يجب أن يكون بيد روسيا وأوكرانيا باعتبارهما الطرفين المنخرطين مباشرة في الصراع.

 

ويخلص التقرير إلى أن استئناف الاتصالات بين موسكو وواشنطن لا يمثل حتى الآن اختراقًا نهائيًا نحو إنهاء الحرب، لكنه يشير إلى تغير في إدارة الأزمة، مع تحرك أمريكي لإعادة المسار التفاوضي، وتمسك روسي بمطالبها الأساسية، في وقت تواجه فيه أوروبا انقسامات داخلية بشأن كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة.