لم تعد فكرة امتلاك الإنسان نسخة رقمية قادرة على التحدث باسمه والتفاعل مع الآخرين مجرد سيناريو من أفلام الخيال العلمي، إذ يدفع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي نحو إنشاء نماذج رقمية أكثر قدرة على محاكاة أصحابها وتنفيذ بعض المهام نيابة عنهم.
ولسنوات، اقتصر الحضور الرقمي للأفراد على الصور والمنشورات والرسائل والحسابات الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، لكن أدوات الذكاء الاصطناعي بدأت تغير طبيعة هذا الحضور تدريجيًا.
وتستطيع التقنيات الحديثة تحليل أسلوب الكتابة ونبرة الحديث والاهتمامات والمعلومات التي يقدمها المستخدم، ثم الاستفادة منها في توليد نصوص وصور وأصوات تشبه صاحبها بدرجات متفاوتة.
ومع تطور المساعدات الذكية ووكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ المهام، يمكن أن تتجاوز النسخة الرقمية مرحلة محاكاة الشخص لتتولى بعض الأعمال التي كان ينفذها بنفسه.
وعلى خلاف الإنسان الذي يحتاج إلى النوم والراحة والتنقل، تستطيع الشخصية الرقمية العمل على مدار الساعة، من خلال نشر المحتوى والرد على الاستفسارات وإدارة المواعيد ومتابعة البريد الإلكتروني والتفاعل مع الجمهور دون الحاجة إلى وجود صاحبها أمام الشاشة باستمرار.
وقد يؤدي ذلك بمرور الوقت إلى أن يصبح الآخرون أكثر معرفة بأسلوب النسخة الرقمية من معرفتهم بالشخص الحقيقي، خصوصًا عندما تتم غالبية عمليات التواصل عبر الإنترنت.
ولا تقتصر المسألة على محاكاة الصوت أو الصورة، إذ تتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي نحو الاعتماد بصورة أكبر على الذاكرة والسياق.
ويمكن للبريد الإلكتروني والمحادثات والصور والملفات وعمليات البحث والتفضيلات أن تشكل مجتمعة سجلًا رقميًا واسعًا عن حياة الفرد.
ومع إدخال هذه المعلومات إلى أنظمة ذكية، قد تصبح النسخة الرقمية قادرة على بناء صورة أكثر تفصيلًا عن صاحبها، ومحاولة توقع تفضيلاته أو الطريقة التي قد يتعامل بها مع مواقف معينة.
وفي المقابل، يثير هذا التطور تساؤلات تتعلق بالحدود الفاصلة بين شخصية الإنسان الحقيقية والنسخة الرقمية التي تمثله أمام الآخرين.
ورغم ما يمكن أن توفره هذه التقنيات من فوائد في إدارة الأعمال وتوفير الوقت والتواصل والحفاظ على المعرفة الشخصية، فإنها تفتح أيضًا قضايا مرتبطة بالخصوصية والهوية والموافقة وملكية البيانات.
كما تطرح تساؤلات حول الجهة التي تمتلك النسخة الرقمية وتتحكم في المعلومات المستخدمة لتدريبها، إضافة إلى إمكانية استخدام صوت الإنسان أو صورته أو أسلوبه بعد وفاته.
وتزداد المخاوف مع تطور تقنيات توليد الصوت والصور والفيديو، لما قد تتيحه من فرص لانتحال الهوية وإنتاج محتوى يصعب على المستخدمين تمييزه عن المحتوى الحقيقي.
ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي وقدرته على تذكر تفاصيل المستخدم وتمثيله والتحدث باسمه، قد يصبح الحضور الرقمي جزءًا أكثر تأثيرًا في هوية الإنسان، فيما تصبح الحدود بين الشخص ونسخته الرقمية أقل وضوحًا.
المصدر: Iraq Zone | عراق زون