على مدى قرون، شكّل العراق نقطة تماس بين قوى وإمبراطوريات متنافسة على النفوذ في المنطقة، بدءاً من الصراع الروماني-الفارسي وصولاً إلى التنافس الأميركي-الإيراني في العصر الحديث.
ومع انتهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق نهاية أيلول/سبتمبر 2026، تدخل البلاد مرحلة جديدة من هذا الصراع، إذ لم ينتهِ تأثير واشنطن وطهران، وإنما ينتقل بصورة أكبر إلى ساحات السياسة والاقتصاد والأمن.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع العراق تحويل موقعه الجغرافي والسياسي من مصدر للضغط والصراع إلى ورقة قوة تخدم مصالحه؟
من الحضر إلى صراعات العصر الحديث
تقدم مدينة الحضر، شمالي العراق، نموذجاً تاريخياً لطبيعة موقع البلاد، بعدما وجدت نفسها في منطقة تماس بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، وتمكنت في مراحل مختلفة من الحفاظ على استقلالها المحلي رغم محاولات إخضاعها.
واليوم، يجد العراق نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً، إذ يرتبط بالولايات المتحدة اقتصادياً ومالياً وسياسياً، وفي الوقت ذاته تربطه بإيران علاقات أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية عميقة.
ويرى مراقبون أن إنهاء الوجود العسكري الأميركي لا يعني انتهاء التأثير الخارجي، مؤكدين أن تعزيز القرار السيادي يتطلب بناء قوة داخلية قادرة على منع تحول العراق مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات.
قرار بغداد بين واشنطن وطهران
يقول المحلل السياسي إياد الفتلاوي إن العراق سيحتاج إلى «المزيد من الجهد الدبلوماسي والدولي» للتعامل مع التأثيرين الأميركي والإيراني، نظراً إلى موقعه الذي يجعل من الصعب النأي بالبلاد عن مصالح القوتين.
ويرى الفتلاوي أن بغداد تستطيع الاقتراب من نموذج الحياد الذي تتبناه دول مثل سلطنة عُمان، إذا تمكنت من تحرير اقتصادها من التأثيرات الخارجية واعتماد سياسة متوازنة، بما يمنحها فرصة لأداء دور أكبر في استقرار المنطقة.
من جانبه، يربط المحلل السياسي حميد الخفاجي استقلال القرار بمصادر القوة التي تمتلكها الدولة، مشيراً إلى أن القوة الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والسياسية تشكل أساس قدرة الحكومات على اتخاذ قرارات مستقلة.
وبحسب الخفاجي، كلما ضعفت هذه الركائز ازدادت قدرة القوى الخارجية على التحرك والتأثير داخل المشهد العراقي.
أما الباحث في السياسات الاستراتيجية العراقية والإقليمية كاظم ياور، فيرى أن الانسحاب الأميركي لن ينهي التنافس على العراق، وإنما سيدفع الأطراف المؤثرة إلى إعادة صياغة قواعد تعاملها مع بغداد.
ويشير ياور إلى أن إيران استفادت خلال سنوات الوجود الأميركي في العراق، إذ استخدمته من جهة للضغط على واشنطن، وعززت من جهة أخرى نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني داخل البلاد.
ويرى أن مرحلة ما بعد الانسحاب قد تدفع طهران إلى مراجعة بعض حساباتها، مع استمرار علاقاتها بالفصائل والأحزاب القريبة منها.
الموقع العراقي.. فرصة أم عبء؟
يمتلك العراق موقعاً جغرافياً يجعله حلقة وصل بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وإيران، وهو موقع يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا أحسنت الدولة استثماره.
ويعتقد الفتلاوي أن الموقع العراقي يمكن أن يصبح عاملاً للاستقرار إذا تبنت بغداد سياسة تقوم على الحياد، وتحرير الاقتصاد من النفوذ الخارجي، وإدارة علاقاتها بعيداً عن الاصطفافات.
أما الخفاجي، فيرى أن الاستفادة من الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية تتطلب رؤية وطنية تجعل «مصلحة العراق أولاً».
في المقابل، يحذر ياور من أن الموقع ذاته قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما تتعرض إيران لضغوط إقليمية ودولية.
وبحسب ياور، قد تلجأ طهران إلى توظيف الساحة العراقية في مواجهتها مع الولايات المتحدة عبر ملفات سياسية أو أمنية أو اقتصادية، حتى عندما لا تتطابق هذه التحركات بالضرورة مع مصلحة الدولة العراقية.
السلاح في قلب معادلة السيادة
في قلب هذه المعادلة يبرز ملف السلاح، الذي لم يعد شأناً أمنياً داخلياً فحسب، بل تحول إلى واحدة من أبرز نقاط الضغط في العلاقة بين بغداد وواشنطن وطهران.
ويؤكد الفتلاوي أن العراق يحتاج إلى وحدة القرار الوطني، وخطة تسليح جدية، وإنهاء السلاح المنفلت المرتبط بدول الجوار.
من جانبه، يرى الخفاجي أن تعزيز السيادة يتطلب وحدة القرارين السياسي والأمني، وجعل القرار الأمني وطنياً.
أما ياور، فيعتبر أن حصر السلاح بيد الدولة أصبح جزءاً من الالتزامات المؤثرة في علاقات العراق الخارجية، بعدما كان في مراحل سابقة ورقة تستخدمها إيران للضغط على الولايات المتحدة أو تعزيز موقفها التفاوضي.
ويرى أن مواقف الفصائل والأحزاب القريبة من إيران لن تكون ثابتة، بل ستتأثر بمسار العلاقات الأميركية-الإيرانية، إذ قد تخفف التهدئة الحاجة إلى استخدام العراق كساحة ضغط، بينما قد يؤدي التصعيد إلى زيادة توظيف الملفات العراقية.
حماية الأراضي العراقية
يتفق المحللون على أن العراق يمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على حماية البلاد، لكن فاعليتها تبقى مرتبطة بالقرار السياسي.
ويقول الفتلاوي إن المؤسسة الأمنية تحتاج إلى قرار سياسي موحد يدعمها بعيداً عن الاعتبارات القومية والطائفية.
بدوره، يؤكد الخفاجي أن المؤسسات العراقية تمتلك الخبرة اللازمة، لكنها تحتاج إلى «زخم سياسي» يساند قراراتها.
ويتمثل الاختبار الأكبر في منع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية، إذ يرى الفتلاوي أن الحياد يقتضي منع الفصائل من الانحياز إلى أطراف خارجية، فيما يشدد الخفاجي على ضرورة الحفاظ على العراق بعيداً عن المواجهات.
لكن ياور يرى أن الساحة العراقية ستظل خاضعة لـ«معادلات متغيرة وغير ثابتة»، تتأثر بمسار التفاوض والصراع بين واشنطن وطهران.
ما بعد الانسحاب الأميركي
يرى الخفاجي أن الانسحاب الأميركي خطوة إيجابية لكونها جاءت عبر مسار دبلوماسي، لكن الاستفادة منها ترتبط بقدرة حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي والقوى السياسية على الالتزام بحصر السلاح بيد الدولة.
ويؤكد الفتلاوي أن المرحلة الجديدة تضع مسؤولية تعزيز السيادة على عاتق جميع القوى السياسية، وتتطلب تقوية المؤسسة العسكرية وتوحيد الخطاب الوطني.
أما ياور، فيرى أن الانسحاب لا يعني انتهاء التأثير الأميركي أو الإيراني، وإنما انتقال التنافس إلى أدوات أخرى، خصوصاً في ظل استمرار ارتباط واشنطن بالعراق عبر ملفات اقتصادية ومالية.
الانقسام الداخلي وتحدي القرار الموحد
يظل الانقسام السياسي الداخلي أحد أكبر العوائق أمام بناء سياسة خارجية متوازنة.
ويشير الفتلاوي إلى أن اختلاف القوى السياسية بشأن الملفات الحساسة قد يدفع العراق إلى اتخاذ مواقف غير متوازنة.
أما الخفاجي، فيرى أن الانقسامات لم تعد مقتصرة على المكونات، بل امتدت إلى داخل المكونات نفسها، ما يضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات موحدة.
ويؤكد ياور أن النفوذ الإيراني لا يقتصر على الجانب الأمني، وإنما يمتد إلى أحزاب وقوى سياسية وعلاقات اقتصادية واجتماعية، معتبراً أن الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية تظل الأكثر تأثراً بمسار العلاقة بين طهران وواشنطن.
هل يستطيع العراق لعب دور الوسيط؟
يرى الفتلاوي أن بغداد تمتلك فرصة للعب دور بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها التاريخية والجغرافية مع إيران ومصالحها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكن ذلك يتطلب معالجة ملف السلاح وتعزيز استقلال القرار.
في المقابل، يرى الخفاجي أن قدرة العراق الحالية على حل الصراعات الإقليمية لا تزال متواضعة، بسبب تراكم النزاعات الداخلية التي أثرت في قدرة النخب السياسية والدبلوماسية على أداء دور إقليمي مؤثر.
أما ياور، فيربط أي دور للوساطة بمدى استقلال القرار العراقي، معتبراً أن استمرار استخدام العراق للضغط المتبادل سيحد من قدرة بغداد على تقديم نفسها طرفاً محايداً.
الاقتصاد أساس الاستقلال
لا يمكن فصل الاستقلال السياسي عن الاستقلال الاقتصادي، إذ يدعو الفتلاوي إلى مكافحة الفساد وتنويع الاقتصاد ودعم القطاع الخاص وتحسين بيئة الاستثمار واستقطاب الشركات الأجنبية، إلى جانب ضبط الإنفاق وتعزيز الإيرادات.
ويرى الخفاجي أن العراق يحتاج إلى شراكات استراتيجية مستدامة مع القوى الاقتصادية الكبرى، مثل الصين والولايات المتحدة وبريطانيا، بما يسمح له باستخدام قوته الاقتصادية لتعزيز حضوره السياسي.
أما ياور، فيؤكد أن النفوذ الخارجي لا يتحرك عبر السلاح والسياسة فقط، بل من خلال المصالح الاقتصادية وشبكات الارتباط بين القوى العراقية والدول الإقليمية أيضاً.
من ساحة صراع إلى دولة قرار
في النهاية، لا يزال العراق أمام معادلة تشبه في جوهرها موقعه التاريخي بين الإمبراطوريات؛ فجغرافيته تمنحه أهمية استثنائية، لكنها تجعله في الوقت ذاته عرضة للتنافس الخارجي.
ويرى الفتلاوي أن انتقال العراق من ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الخارجية إلى دولة تمتلك قرارها السيادي ممكن، لكنه يحتاج إلى دعم وطني يتجاوز الارتباطات العقائدية والقومية.
فيما يرى الخفاجي أن استثمار الموارد والموقع الجغرافي يمكن أن يحول عناصر القوة العراقية إلى أدوات للتنمية والنفوذ.
أما ياور، فيحذر من أن استمرار توظيف العراق في الصراع الأميركي-الإيراني سيبقي البلاد أمام معادلات متحركة، تستخدم فيها الفصائل والأحزاب والملفات الأمنية والاقتصادية لتحقيق أهداف خارجية.
وهكذا، فإن انتهاء الوجود العسكري الأميركي لا يغلق صفحة التنافس على العراق، بل يفتح مرحلة جديدة تختبر قدرة بغداد على الإمساك بقرارها وتحويل موقع البلاد من ساحة يتصارع عليها الآخرون إلى ورقة قوة تضع المصالح العراقية أولاً.
المصدر: Iraq Zone | عراق زون