الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة لكشف أسرار الأمراض العصبية الوراثية
كشفت أبحاث علمية حديثة عن تقدم ملحوظ في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الجينات وفهم أسباب الأمراض العصبية الوراثية النادرة، بما يساعد الأطباء على تفسير التغيرات الجينية الغامضة وتحديد الاختبارات اللازمة للوصول إلى تشخيص أكثر دقة، دون الاستغناء عن دور الخبراء والمتخصصين.
الذكاء الاصطناعي يساعد في تفسير الأمراض الوراثية
وخلال المؤتمر الدولي للجمعية السعودية للطب الوراثي لعام 2026، الذي عُقد تحت شعار «من التشخيص إلى العلاج في علم الجينوم»، استعرضت الدكتورة نوف الغانمي، الأستاذة المشاركة للذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الحيوية بجامعة الملك عبد العزيز، أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل الجينوم
العصبي.
وأوضحت الغانمي أن بعض الأطفال الذين يعانون من تأخر النمو أو الحركة أو ضعف العضلات ونوبات الصرع قد يخضعون لفحوص جينية متقدمة، دون أن يتمكن الأطباء من تحديد السبب الوراثي الدقيق لأعراضهم.
وأشارت إلى أن قراءة المادة الوراثية لا تعني بالضرورة الوصول إلى تشخيص نهائي، إذ قد تظهر تغيرات جينية لا تتوافر أدلة كافية لتحديد علاقتها بالمرض.
ملايين التغيرات الجينية تعقّد مهمة التشخيص
ويختلف الجينوم البشري عن الجينوم المرجعي في نحو أربعة إلى خمسة ملايين موضع، ما يجعل تحديد التغير المسؤول عن مرض معين مهمة معقدة تتطلب تحليل كميات ضخمة من البيانات.
وتزداد صعوبة التشخيص في الأمراض العصبية الوراثية، نظراً لإمكانية تسبب جينات مختلفة بأعراض متشابهة، مثل الصرع والتأخر النمائي، فضلاً عن تغير الأعراض مع تقدم عمر المريض.
وتساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي على تضييق نطاق البحث وتحديد المتغيرات الجينية الأكثر ارتباطاً بالحالة المرضية، تمهيداً لدراستها بصورة أعمق.
أدوات ذكية لتحليل الجينات والبروتينات
وتستخدم المختبرات البحثية أدوات متخصصة، من بينها AlphaMissense وSpliceAI وExomiser، لتحليل جوانب مختلفة من التغيرات الجينية.
وتساعد هذه الأدوات على توقع تأثير بعض المتغيرات في البروتينات، أو في معالجة الحمض النووي الريبوزي (RNA)، إلى جانب مقارنة الأعراض السريرية للمريض بالأمراض الوراثية المعروفة.
كما يمثل نموذج AlphaGenome أحد التطورات الحديثة في هذا المجال، إذ يستطيع التنبؤ بتأثير تغيرات الحمض النووي (DNA) في تنظيم نشاط الجينات ووظائف الخلايا.
ومع ذلك، تبقى نتائج هذه النماذج تنبؤات بحثية تحتاج إلى التحقق، ولا يمكن اعتبارها وحدها تشخيصاً طبياً مؤكداً.
الذكاء الاصطناعي يحوّل الغموض الجيني إلى اختبارات
ومن أبرز التحديات التي تواجه الأطباء ظهور ما يُعرف بـ«المتغير الجيني ذي الدلالة غير المؤكدة»، وهو تغير في المادة الوراثية لا توجد أدلة كافية لإثبات علاقته بالمرض أو استبعادها.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحديد الأدلة الناقصة، واقتراح خطوات إضافية مثل فحص الوالدين، أو تحليل RNA، أو إجراء اختبارات وظيفية لدراسة تأثير المتغير في الخلايا.
ويهدف هذا النهج إلى تحويل النتائج الجينية غير الواضحة إلى فرضيات علمية قابلة للاختبار، بدلاً من الاكتفاء بتقرير يفيد بعدم التوصل إلى تشخيص.
نظام DeepRare يحقق نتائج واعدة في الأمراض النادرة
وفي دراسة نشرتها مجلة Nature عام 2026، أظهر نظام ذكاء اصطناعي يُعرف باسم DeepRare قدرة على جمع المعلومات السريرية والجينية والاستفادة من أكثر من 40 أداة ومصدراً معرفياً لتقديم تشخيصات محتملة للأمراض النادرة.
وأظهرت نتائج الاختبار، الذي شمل 168 حالة، أن النظام وضع التشخيص الصحيح في المرتبة الأولى بنسبة 69.1% من الحالات، مقارنة بنسبة 55.9% لأداة Exomiser.
وتشير هذه النتائج إلى إمكان تحسين ترتيب الاحتمالات التشخيصية من خلال الجمع بين المعلومات الجينية والأعراض السريرية، لكنها لا تعني أن النظام يستطيع إصدار تشخيص طبي نهائي بصورة مستقلة.
إعادة تحليل الجينات تكشف 241 تشخيصاً جديداً
وفي دراسة أخرى نشرتها مجلة Nature Medicine عام 2026، استخدم الباحثون نظاماً آلياً يُعرف باسم Talos لإعادة تحليل البيانات الجينية لمرضى لم تُعرف أسباب أمراضهم خلال الفحوص السابقة.
وشملت الدراسة 4735 حالة غير مشخصة، وأسفرت إعادة التحليل عن تحديد 241 تشخيصاً جديداً، بنسبة بلغت نحو 5.1%.
وجاءت النتائج نتيجة تطور المعرفة بالعلاقات بين الجينات والأمراض، وظهور أدلة جديدة بشأن بعض المتغيرات الوراثية، فضلاً عن تحسن أساليب التحليل.
وتبرز هذه الدراسة أهمية إعادة فحص البيانات الجينية القديمة، إذ قد تكشف التقنيات الحديثة معلومات لم تكن متاحة عند إجراء الفحص الأول.
الذكاء الاصطناعي الوكيلي ودوره في الطب الجينومي
وتطرقت الدكتورة نوف الغانمي إلى مفهوم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» (Agentic AI)، الذي يقوم على تنسيق عمل أدوات متعددة لتحليل البيانات الجينية والسريرية وتجميع نتائجها في صورة فرضيات مدعومة بالأدلة.
ويتيح هذا النهج الاستفادة من أدوات متخصصة في تحليل البروتينات والجينات والأعراض، مع مراجعة النتائج وتحديد نقاط الاتفاق والاختلاف بينها.
وأوضحت الغانمي أن التصور الذي قدمته لتطبيق هذا النهج في الجينوم العصبي لا يزال مقترحاً بحثياً، ولم يتحول بعد إلى نظام سريري مثبت.
دور الخبراء يبقى أساسياً في التشخيص
ورغم التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يؤكد الباحثون أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الأطباء واختصاصيي الوراثة.
فالأنظمة الذكية تستطيع تحليل البيانات واقتراح الاحتمالات، بينما يتولى المختصون تقييم الأدلة والتحقق من النتائج وربطها بالحالة الصحية للمريض.
أهمية البيانات الجينية المحلية
وتبرز أهمية بناء قواعد بيانات جينية محلية، خصوصاً في المجتمعات التي قد لا تكون ممثلة بصورة كافية في قواعد البيانات العالمية.
فبعض التغيرات الوراثية التي تبدو نادرة عالمياً قد تكون أكثر شيوعاً في مجموعات سكانية معينة، ما يجعل المعلومات المحلية ضرورية لتحسين دقة التحليل.
كما تؤثر العوامل الوراثية، ومنها زواج الأقارب في بعض الأسر، في طريقة البحث عن الأمراض الوراثية المتنحية.
ويؤكد الباحثون أن مستقبل الطب الجينومي لا يعتمد على امتلاك تقنيات متطورة فحسب، بل يتطلب بيانات موثوقة وحماية خصوصية المرضى وإشرافاً بشرياً متخصصاً.
وتشير هذه التطورات إلى أن القيمة الأساسية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في تقديم تشخيص فوري، بل في مساعدة الأطباء على فهم التغيرات الجينية الغامضة وتحديد الاختبارات الأكثر فائدة للوصول إلى تفسير طبي دقيق.