جامعة الأنبار تنجح في إنتاج فطر الشيتاكي لأول مرة داخل العراق
نجح فريق بحثي في جامعة الأنبار في إنتاج فطر الشيتاكي الطبي للمرة الأولى داخل العراق، في خطوة تفتح الباب أمام توطين زراعته محليًا وتحويله من منتج مستورد مرتفع الكلفة إلى مشروع قابل للتوسع الزراعي والغذائي.
ويستهدف المشروع الاستفادة من المخلفات الزراعية المتاحة في البيئة العراقية كأساس لزراعة الفطر، مع تحويل المخلفات الناتجة عن العملية إلى سماد عضوي، بما يضيف قيمة اقتصادية للمزارع ويعزز الحضور الغذائي للفطر، نظرًا لغناه بالبروتين واستخداماته العلاجية.
مشروع أكاديمي بطموح صناعي
انطلقت الفكرة ضمن مشروع بحثي أكاديمي يقوده طالب الدكتوراه محمد بركات في كلية الزراعة والعلوم، حيث ركّزت مراحل العمل على الحصول على عزلات وسلالات من فطر الشيتاكي المعروف علميًا بـ Lentinula edodes، واختبار نموها وملاءمتها للظروف المحلية.
كما عمل الفريق على تطوير تقنيات زراعة مكيفة تعتمد على مخلفات زراعية متوفرة بدل الأوساط العالمية المكلفة، إضافة إلى تحليل التركيب الكيميائي للفطر المنتج ودراسة خصائصه الطبية، مع اهتمام خاص بالمادة الفعالة “اللينتان” المرتبطة بدعم المناعة ومقاومة الأورام.
تقليل الاعتماد على الاستيراد
وقال طالب الدكتوراه محمد بركات إن فكرة المشروع طُرحت داخل قسم التربة والموارد المائية، بإشراف كل من الأستاذ الدكتور أدهام علي عبد والدكتور جمال صالح حمود.
وأوضح أن التحدي كان مضاعفًا، خاصة في ظل تعثر محاولات سابقة لإنتاج هذا الفطر داخل العراق، إضافة إلى صعوبات الحصول على العزلات الطبية والأوساط الخاصة به، التي غالبًا ما تمر عبر وسطاء خارج البلاد.
وأشار إلى أن إنتاج الفطر محليًا يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد، ويعالج ما وصفه بالبعد الاقتصادي المرتبط باحتكار بعض الأصناف وارتفاع تكلفتها.
تحديات المناخ والكهرباء وجائحة كورونا
وبيّن بركات أن المناخ في مناطق العراق الوسطى والجنوبية شكّل تحديًا رئيسيًا، إذ تصل درجات الحرارة أحيانًا إلى 51 درجة مئوية، في حين تنمو معظم أنواع الفطر الغذائي والطبي ضمن مدى حراري يتراوح بين 15 و28 درجة مئوية.
كما أن تذبذب التيار الكهربائي صعّب السيطرة على درجات الحرارة والرطوبة، ما دفع الفريق إلى نصب وحدات تبريد من نوع “سبلت” وتصنيع وحدات لإنتاج الرطوبة بنسبة تتراوح بين 80 و95%.
وتزامنت هذه التحديات مع جائحة كوفيد-19، التي أدت إلى نقص في الأدوات والمعدات، الأمر الذي دفع الباحث إلى تصنيع بدائل محلية لتقليل الكلفة.
ابتكار محلي باستخدام القصب ونوى التمر
أوضح بركات أنه تم اعتماد حوامل غزل فطري جديدة، من بينها نوى التمر، إلى جانب تطوير خلطات محلية باستخدام نبات القصب ومخلفات معامل الدبس، ضمن تراكيب مدروسة.
وأشار إلى أن استخدام القصب كحامل للغزل الفطري يُعد سابقة داخل العراق، مع تحقيق نتائج إنتاج مماثلة للأوساط المثالية.
كما توسع البحث ليشمل اختبار مستخلصات الأجسام الثمرية للفطر ضد بكتيريا مرضية، إضافة إلى استثمار الأوساط الزراعية المتبقية بعد الحصاد في إنتاج شتلات صغيرة تُعرف محليًا بـ”الدايات”.
من المختبر إلى السوق
وأكد بركات أن هدفه المقبل يتمثل في تحويل نتائج البحث إلى مشروع صناعي يجمع بين إنتاج فطر الشيتاكي والفطر الأبيض، مبينًا أن الأخير يتمتع بقبول أوسع لدى المستهلك العراقي، ما يوفر مسارًا تسويقيًا أسرع بالتوازي مع بناء سوق تدريجية للشيتاكي.
ولفت إلى أن دراسات اطلع عليها تشير إلى ارتباط تناول الشيتاكي المجفف بتقليل مخاطر تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم وخفض مستوى السكر في الدم، إضافة إلى تقليل احتمالات الإصابة ببعض الأمراض والأورام السرطانية.
دعم جامعي وتحويل اقتصادي محتمل
من جانبه، أكد عميد كلية الزراعة في جامعة الأنبار، الأستاذ الدكتور أدهام علي عبد، أن الباحث نجح في تثبيت تقنية الإنتاج وتحسين المردودية وخفض التكاليف مقارنة بالتقنيات المتداولة.
وأوضح أن الكلية وفرت بيئة بحثية داعمة ومختبرات وأجهزة دقيقة للعزل والتحليل الكيميائي، مع إشراف علمي متخصص حافظ على سلامة المنهج ودقة النتائج.
وبيّن أن تحويل المشروع إلى إنجاز اقتصادي يتطلب تبني نموذج شراكة مع القطاع الخاص، سواء عبر ترخيص التكنولوجيا لشركة ناشئة أو قائمة مقابل حقوق ملكية (Royalty)، أو تأسيس شركة منبثقة (Spin-off)، أو عقد اتفاقيات تصنيع مع مؤسسات حكومية وصناعات دوائية وطنية، مع التنسيق مع وحدات نقل التكنولوجيا (TTO) لضمان جاهزية المنتج للتصنيع التجاري.
