كشفت مذكرات الزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا، «رحلة طويلة نحو الحرية»، تفاصيل رحلته إلى عدد من الدول العربية عام 1962، بحثاً عن الدعم السياسي والعسكري لحركة التحرر من نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مسلطة الضوء على دور مصر وتونس والمغرب والثورة الجزائرية في تجربته
النضالية.
وتوثق المذكرات، الصادرة عام 1994، لقاءات مانديلا مع قادة ومسؤولين عرب، وتأثره بالتجربة الجزائرية، فضلاً عن الدعم الذي تلقاه خلال جولته الأفريقية قبل اعتقاله وقضائه 27 عاماً في السجن.
رحلة سرية باسم مستعار
بدأ مانديلا جولته الأفريقية عام 1962 مستخدماً جواز سفر باسم مستعار هو «ديفيد موتسامايي»، بصفته قائداً للجناح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي، المعروف باسم «أمخونتو وي سيزوي» أو «رمح الأمة».
وكانت مهمته تأمين التمويل والتدريب العسكري والاعتراف السياسي للحركة، التي قررت آنذاك تبني الكفاح المسلح ضد نظام الفصل العنصري.
وانطلق عبر بتشوانالاند وتنجانيقا وصولاً إلى أديس أبابا، حيث شارك في مؤتمر لحركات التحرر الأفريقية والتقى الإمبراطور هيلا سيلاسي، قبل أن يواصل رحلته إلى القاهرة وتونس والمغرب، ثم عدداً من الدول الأفريقية ولندن.
وعقب عودته إلى إثيوبيا لاستكمال تدريبه العسكري، اعتُقل في الخامس من آب 1962 على طريق ناتال، ولم يُفرج عنه إلا في شباط 1990.
مصر.. الحضارة في مواجهة الرواية الاستعمارية
خلال زيارته إلى القاهرة، حرص مانديلا، برفقة أوليفر تامبو وروبرت ريشا، على زيارة المتحف المصري، حيث دوّن ملاحظات عن الحضارة المصرية القديمة وإسهاماتها التاريخية.
ورأى أن تاريخ مصر يمثل دليلاً على عراقة الحضارة الأفريقية، ويسهم في دحض الادعاءات العنصرية التي كانت تصور القارة باعتبارها خالية من حضارة تضاهي الحضارة الغربية.
وعبّر في مذكراته عن إعجابه بما أنجزه المصريون القدماء من أعمال فنية وحضارية، في وقت كانت فيه مجتمعات غربية لا تزال تعيش مراحل مبكرة من تطورها.
تونس.. دعم مالي وعسكري لحركة مانديلا
وفي تونس، التقى مانديلا الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، الذي عرض تقديم تدريب عسكري لعناصر الحركة، إلى جانب دعم مالي قدره خمسة آلاف جنيه إسترليني لشراء الأسلحة.
وشكّل هذا الدعم جزءاً من مساعي مانديلا للحصول على المساندة العربية والأفريقية لحركته خلال مرحلة التحول نحو الكفاح المسلح.
المغرب والثورة الجزائرية.. تجربة أثّرت في مانديلا
وصل مانديلا إلى الدار البيضاء في السادس من آذار 1962، حيث التقى مسؤولاً في البعثة الجزائرية بالمغرب يُشار إليه في مذكراته باسم «الدكتور مصطفى».
وأمضى ثلاثة أيام في التعرف على تفاصيل الثورة الجزائرية وأساليب مقاومتها للاستعمار الفرنسي، معتبراً أن التجربة الجزائرية كانت الأقرب إلى واقع جنوب أفريقيا، نظراً إلى مواجهة الحركتين نظاماً قائماً على هيمنة أقلية استيطانية بيضاء على الأغلبية الأصلية.
وتلقى مانديلا خلال اللقاءات نصيحة من أحد المبعوثين الجزائريين بشأن أهمية الرأي العام الدولي، الذي قد تفوق قوته أحياناً قوة الأساطيل العسكرية، في إشارة إلى أهمية العمل الدبلوماسي وكسب التأييد العالمي.
تدريبات عسكرية قرب الحدود الجزائرية
انتقل مانديلا لاحقاً إلى مدينة وجدة المغربية، القريبة من الحدود الجزائرية، حيث التقى عناصر من جيش التحرير الوطني الجزائري واطلع على تجربتهم العسكرية.
وأبدى إعجابه بالمقاتلين الذين اكتسبوا خبراتهم ورتبهم من المعارك، وركزوا على أساليب القتال والتكتيك بدلاً من المظاهر العسكرية والاستعراضات.
وتوضح المذكرات أن مانديلا لم يدخل الأراضي الجزائرية خلال تلك الرحلة، وإنما تلقى تدريباً مع عناصر جبهة التحرير الوطني في قواعدها داخل المغرب، وتحديداً في وجدة ومنطقة زغنغن قرب الناظور، حيث أطلق النار للمرة الأولى في حياته.
أما تدريبه العسكري الأساسي، فقد جرى في منطقة كولفي قرب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بإشراف ضباط من الجيش الإثيوبي.
وتشير المذكرات إلى أن الصورة الشهيرة لمانديلا بالزي العسكري تعود إلى فترة تدريبه في إثيوبيا، وليس إلى تونس أو الجزائر كما يُتداول أحياناً.
من التدريب العسكري إلى النضال السياسي
وصف مانديلا تجربته العسكرية في إثيوبيا بأنها غيّرت طريقة تفكيره، إذ بدأ ينظر إلى الأمور بعقلية الجندي بدلاً من السياسي.
وقبل مغادرته، حصل على مسدس آلي ومئتي طلقة، ليعود بعدها إلى جنوب أفريقيا، حيث اعتُقل وأمضى 27 عاماً في السجن.
وتكشف هذه المحطات جانباً من العلاقات التاريخية بين حركة التحرر في جنوب أفريقيا وعدد من الدول العربية، وتبرز تأثير التجارب الأفريقية والعربية في تشكيل رؤية مانديلا خلال مرحلة مقاومة الفصل العنصري.
المصدر: Iraq Zone | عراق زون