البحث
من هو صاحب المليون قلم في بغداد؟ حكاية متجر صغير أصبح وجهة للسياح الأجانب

من هو صاحب المليون قلم في بغداد؟ حكاية متجر صغير أصبح وجهة للسياح الأجانب

في قلب سوق السراي بشارع المتنبي وسط بغداد، تحوّل محل العراقي علي المندلاوي، المعروف بلقب «صاحب المليون قلم»، إلى وجهة ثقافية وسياحية تستقطب الزائرين من العراقيين والعرب والأجانب، بفضل ما يضمه من أقلام نادرة ومقتنيات

تاريخية وصور تستحضر حضارات بلاد الرافدين.

ويحتفظ المندلاوي داخل متجره بمجموعات من الأقلام التي يعود عمر بعضها إلى أكثر من نصف قرن، إلى جانب أنواع من الورق القديم، في تجربة تجاوزت حدود التجارة لتصبح جزءاً من ذاكرة بغداد الثقافية.

من حب القلم إلى شغف العمر

وقال المندلاوي، في حديث لوكالة الأنباء العراقية (واع)، إن علاقته بالقلم بدأت من الحب، قبل أن تتحول إلى ارتباط إنساني واجتماعي وثقافي، فضلاً عن كونه مصدر رزقه.

وأوضح أن القلم ليس مجرد أداة للكتابة، بل يحمل قيمة إنسانية وفكرية كبيرة، ويسهم في التواصل بين الناس، مشبهاً أهميته بالهواء الذي لا يمكن الاستغناء عنه في الحياة اليومية.

وأشار إلى أن مكانة القلم تتجاوز استخداماته التقليدية، مستشهداً بقوله تعالى: «الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم».

أقلام نادرة تعود إلى ستينيات القرن الماضي

وبيّن المندلاوي أن القلم مر بمراحل متعددة من التطور، بدءاً من القصبة وأقلام السلاية والحبر، وصولاً إلى الأقلام الجافة والحديثة.

وأضاف أن محله يضم أقلاماً قديمة ونادرة وغريبة، يعود عمر بعضها إلى 50 أو 60 عاماً، ولا سيما المجموعات التي تعود إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

وأكد أن القيمة التاريخية والمعنوية لهذه الأقلام تفوق قيمتها المادية، مبيناً أنه يفضّل إهداء بعض القطع النادرة بدلاً من بيعها، لما تتركه من أثر في نفوس من يحصلون عليها.

مصادفة صنعت جدار المليون قلم

وكشف المندلاوي أن فكرة عرض الأقلام على هيئة جدار داخل المحل جاءت بمحض المصادفة، بعد زيارة مغترب عراقي مقيم في الولايات المتحدة، كان يبحث عن قلم نادر قبل مغادرته العراق على متن رحلة جوية في اليوم نفسه.

وأوضح أنه بدأ بإحضار علب الأقلام من المخزن بحثاً عن النوع المطلوب، حتى عثر عليه في العلبة السادسة، ما أدخل الفرحة إلى قلب الزائر.

وأضاف أن صعوبة إعادة العلب إلى المخزن دفعته إلى ترتيبها على شكل جدار خلفي داخل المحل، لتتحول الفكرة إلى وسيلة عرض جذبت انتباه الزبائن وسهّلت العمل اليومي، وأسهمت في زيادة الإقبال على شراء الأقلام.

ذاكرة حضارات العراق تجذب السياح

ولا يقتصر المحل على الأقلام، إذ يضم أنواعاً من الورق القديم وصوراً ومقتنيات تستحضر تاريخ العراق وحضارات بلاد الرافدين.

وأشار المندلاوي إلى أن هذه المعروضات تستقطب الزائرين، خصوصاً الأطفال الذين تثير انتباههم الأقلام والصور التاريخية، مؤكداً أهمية تشجيع الأجيال الجديدة على الاهتمام بالكتابة والورق.

وأوضح أن المتجر يستقبل شخصيات من مختلف الشرائح الاجتماعية والثقافية، بينها سياسيون وأدباء وفنانون ورياضيون وأكاديميون، إلى جانب المواطنين والسياح العرب والأجانب.

ولفت إلى أن عدداً من السياح الأجانب يحرصون على إدراج المحل ضمن برامج زياراتهم إلى العراق، بعدما اكتسب شهرة بفضل مقتنياته وطريقة عرضها.

سنوات العمل تترك آثارها في يديه

وفي جانب إنساني من تجربته، كشف المندلاوي أن سنوات طويلة من بري الأقلام تركت آثاراً جسدية في يديه، ولا سيما راحة اليد والأصابع ومفاصلها، ما تسبب بتراجع الإحساس في بعض أجزائها وصعوبة الإمساك ببعض الأشياء.

وأوضح أن هذه المعاناة دفعته إلى الاستعانة بمبراة ميكانيكية تحتوي على فتحات متعددة بأحجام مختلفة، لتخفيف الجهد وتسهيل العمل.

من الأسواق القديمة إلى التجارة مع الصين

وعن مصادر توفير الأقلام، أوضح المندلاوي أنه كان يعتمد سابقاً على الأسواق المركزية والأورزدي باك والأسواق الحرة والمحال المتخصصة بالأقلام عالية الجودة.

وأضاف أن اختفاء هذه المصادر دفعه إلى البحث عن بدائل جديدة، والتوجه إلى التعامل التجاري مع الصين لتأمين احتياجات متجره.

وأكد المندلاوي تمسكه بمهنة بدأت من حبه للقلم، وتحولت مع مرور السنوات إلى جزء من حياته اليومية وذكرياته وعلاقاته الإنسانية والاجتماعية.