لم تعد الصورة في العصر الرقمي مجرد وسيلة لتوثيق اللحظات، بل تحولت إلى أداة لصياغة الهوية وإعادة تقديم الحياة بأسلوب مختلف، وهو ما تطرحه رواية “ظلال رقمية” للكاتبة الجزائرية مريم نريمان نومار من خلال مقارنة بين جيلين يختلفان في فهم معنى الصورة والذكريات.
تُظهر الرواية الفارق بين نظرة الأم التي تحتفظ بصور قليلة تمثل لحظات صادقة من حياتها، وبين ابنتها التي تمتلك آلاف الصور، لكنها لا ترى أي صورة صالحة للنشر قبل تعديلها وتحسينها.
هذا التباين يعكس تحولا أعمق في طريقة التعامل مع الحياة، حيث لم يعد المهم توثيق اللحظة، بل كيفية عرضها.
في الماضي، كانت الصور وسيلة لحفظ الذكريات داخل ألبومات عائلية، أما اليوم فأصبحت وسيلة لصناعة الانطباع والتعبير عن الذات، خاصة مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي.
ويمكن ملاحظة ذلك في المناسبات المختلفة، حيث يركز الكثيرون على التقاط الصور وتعديلها أكثر من عيش الحدث نفسه، لتتحول التجربة الواقعية إلى محتوى رقمي مُعاد إنتاجه.
هذا التحول يرتبط بشكل مباشر بمفهوم “الهوية الرقمية”، حيث لم يعد الأفراد يقدمون أنفسهم كما هم فقط، بل كما يريدون أن يظهروا أمام الآخرين.
وتبرز هذه الظاهرة في تبني بعض الأشخاص شخصيات رقمية بديلة، أو عرض أجزاء محددة من حياتهم بشكل انتقائي، ما يخلق نسخة غير مكتملة من الواقع.
كما ساهم هذا الواقع في توسيع دائرة المقارنة الاجتماعية، إذ أصبح بإمكان أي شخص مقارنة حياته بحياة الآخرين حول العالم، لكن المشكلة أن هذه المقارنة تتم غالبًا بين واقع حقيقي وصور مثالية مُنتقاة بعناية، مما يؤدي إلى شعور متزايد بعدم الرضا والضغط النفسي.
ومع تزايد أهمية عدد المتابعين والإعجابات، أصبح القبول الاجتماعي لدى البعض مرتبطًا بالمؤشرات الرقمية، رغم أنها لا تعكس القيمة الحقيقية للفرد أو نجاحه الفعلي.
في المقابل، لا تدعو هذه الرؤية إلى رفض التكنولوجيا، بل إلى إعادة التوازن في استخدامها، بحيث تبقى وسيلة للتواصل لا بديلاً عن الواقع، وتظل الصور أداة لتوثيق الذكريات لا استبدالها.
ويبقى التحدي الأكبر في الحفاظ على الذات وسط هذا العالم الرقمي المتسارع، وطرح سؤال جوهري: هل تعكس حياتنا الرقمية حقيقتنا فعلًا، أم أنها مجرد نسخة مصممة لإرضاء الآخرين؟