البحث
أُغلقت بالحجارة وظلت تحكي التاريخ.. أسرار البوابة الذهبية في إسطنبول
  • نشر قبل اقل من دقيقة
  • نشر في ثقافة
  • 28 مشاهدة

تحولت البوابة الذهبية في إسطنبول، عبر نحو 1600 عام من التاريخ، من مدخل احتفالي استعرض الأباطرة البيزنطيون وجيوشهم من خلاله انتصاراتهم العسكرية أمام سكان العاصمة، إلى جزء من تحصينات قلعة عثمانية، بعدما أُغلقت ممراتها بالحجارة وتراجعت وظيفتها الاحتفالية لصالح الاستخدام الدفاعي.

 

وتقع البوابة، المعروفة بالتركية باسم «ألطون قابي»، في الجزء الجنوبي من الأسوار البرية التاريخية بمنطقة يدي كوله، في القسم الأوروبي من إسطنبول، وتحيط بها تحصينات تعكس مراحل متعددة من تاريخ المدينة.

 

وتسلط الحلقة السابعة من سلسلة تقارير وكالة الأناضول «أبواب تفتح على تاريخ المدينة» الضوء على تاريخ البوابة، التي جمعت بين رمزية الانتصار الإمبراطوري ومتطلبات الدفاع العسكري، قبل أن تصبح جزءاً من قلعة يدي كوله، المعروفة باسم «الأبراج السبعة».

 

مدخل الأباطرة واستعراض الانتصارات

 

ارتبط ظهور البوابة الذهبية بالتوسع العمراني الذي شهدته المدينة خلال عهد الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس، وبناء الأسوار البرية المحيطة بها.

 

وتُعرف البوابة باللاتينية باسم «بورتا أوريا»، أي البوابة الذهبية، فيما أطلقت عليها المصادر العثمانية اسم «ألطون قابي». وتميزت بضخامة تصميمها وواجهتها المكسوة بالرخام الأبيض والزخارف المذهبة، في انعكاس لهيبة الإمبراطورية ومكانة عاصمتها.

 

ولم تكن التسمية تعني أن البوابة مغطاة بالكامل بالذهب، بل ارتبطت بالزخارف والحروف المذهبة التي كانت تزين نقوشها، فيما لم يصل تصميمها الأصلي إلى يومنا هذا بحالته الأولى.

 

وشكلت البوابة جزءاً من مسار احتفالي عُرف باسم «طريق النصر»، كانت تعبره مواكب الأباطرة والجيوش عند العودة من الحملات العسكرية أو التوجه إليها، في مشهد يحول الانتصارات العسكرية إلى استعراض علني للقوة والسلطة السياسية.

 

وقال الأكاديمي ومؤرخ الفن التركي ياسين صايغلي إن البوابة القائمة اليوم ليست أول بوابة حملت هذا الاسم في تاريخ إسطنبول.

 

وأوضح أن الأسوار الأولى، التي أُنشئت في عهد الإمبراطور قسطنطين، كانت تقع داخل الحدود التي اتسعت إليها المدينة لاحقاً، قبل بناء الأسوار المحيطة بمنطقة الفاتح التاريخية خلال عهد ثيودوسيوس، وظهور البوابة الذهبية ضمن منظومة التحصينات الجديدة.

 

وأشار صايغلي إلى أن البوابة كانت تضم مدخلاً رئيسياً يبلغ عرضه، وفق تقديره، نحو 30 متراً، وإلى جانبيه مدخلين أصغر يتراوح عرض كل منهما بين 9 و10 أمتار، فيما عُرف المعبر الواقع أمامها باسم «كوجك ألطون قابي»، أي بوابة الذهب الصغيرة.

 

وشبّه المؤرخ البوابة بأقواس النصر التي كانت تعبرها الفيالق الرومانية في روما، موضحاً أنها استُخدمت لمرور الإمبراطور والجيش في أثناء العودة من الحروب أو التوجه إليها، إلى جانب دورها الدفاعي.

 

رمزية دينية وسياسية

ومن أبرز الأحداث المرتبطة بالبوابة دخول الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن باليولوج إلى المدينة عام 1261، عقب استعادتها من الإمبراطورية اللاتينية التي سيطرت على القسطنطينية منذ الحملة الصليبية الرابعة.

وبحسب صايغلي، لم يدخل الإمبراطور المدينة عبر البوابة الذهبية في عربة احتفالية، بل سار على قدميه، مصحوباً بأيقونة مريم هوديغيتريا، التي تحتل مكانة بارزة في التقليد الديني البيزنطي.

ورأى المؤرخ أن هذا المشهد حمل دلالات رمزية، إذ عكس تواضع الإمبراطور وأبرز البعد الديني للانتصار، بدلاً من الاقتصار على استعراض القوة العسكرية.

وهكذا، لم تكن البوابة مجرد معبر معماري، بل مساحة تداخلت فيها الرموز الدينية والسياسية، لتأكيد شرعية الحكم والاحتفاء باستعادة العاصمة، إلى جانب وظيفتها بوصفها مسرحاً للمواكب العسكرية.

 

من بوابة النصر إلى التحصينات العثمانية

مع تراجع القوة العسكرية والسياسية للإمبراطورية البيزنطية، تغيرت وظيفة البوابة الذهبية تدريجياً، وانعكس ذلك على تصميمها المعماري.

وأوضح صايغلي أن المداخل الواسعة للبوابة تقلصت على مراحل، حتى تحولت بحلول أواخر القرن الرابع عشر إلى معبر أصغر محدود الوظيفة الاحتفالية، قبل أن يتعزز دورها الدفاعي.

وعندما فتح العثمانيون إسطنبول عام 1453، كان جزء كبير من البوابة قد أُغلق بالحجارة، في تحول عكس تراجع الحاجة إلى المدخل الاحتفالي الواسع، مقابل تزايد أهمية التحصينات التي تلائم المتطلبات العسكرية.

ومع تغير طبيعة التهديدات العسكرية وتراجع مكانة الإمبراطورية البيزنطية، فقدت البوابة جانباً كبيراً من دورها السابق، لتتحول من رمز للانتصارات الإمبراطورية إلى نقطة دفاعية محدودة ضمن منظومة تحصينات المدينة.

وفي العهد العثماني، اندمجت البوابة ضمن قلعة يدي كوله، التي عُرفت باسم «الأبراج السبعة»، وأصبحت القلعة تُستخدم لأغراض متعددة، من بينها التحصين والسجن وحفظ الخزانة، لتروي البوابة المغلقة فصولاً متعاقبة من تاريخ إسطنبول وتحولات السلطة فيها.