البحث
أكثر من ألف حكاية.. غزة تقاوم النسيان بأرشيف الحياة
  • نشر قبل اقل من دقيقة
  • نشر في ثقافة
  • 18 مشاهدة

«بدي أفرجي العالم العذاب وجحيم الحرب اللي إحنا عايشينه».. بهذه الكلمات تلخص لبنى الحايك رسالة ابنتها فاطمة حسونة، المصورة الصحفية التي حملت كاميرتها لتوثيق معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، قبل أن تتحول إلى واحدة من ضحايا الحرب، إثر قصف إسرائيلي أودى بحياتها مع سبعة من أفراد أسرتها.

 

وتستعيد لبنى، والدة فاطمة، ذكريات ابنتها التي استشهدت عن عمر 24 عامًا، مشيرة إلى أنها كانت لا تفوّت فرصة لتصوير مشاهد الدمار والضحايا، وتسعى باستمرار إلى نقل ما يعيشه سكان غزة إلى العالم، حتى إن عملها كان يأخذ من وقت نومها وطعامها.

وتصف الأم ابنتها بأنها كانت ذكية ونشيطة وشجاعة، إلى جانب حنانها وتواضعها ومحبة الجميع لها، مؤكدة أنها كانت ابنتها الكبرى والأقرب إلى قلبها.

لكن المصورة التي اعتادت ملاحقة الأخبار وتوثيق المآسي، أصبحت هي نفسها خبرًا وصورة بعد المجزرة التي تعرضت لها أسرتها. فقد كانت لبنى وأفراد عائلتها نائمين لحظة وقوع القصف، ما أسفر عن إصابتها بجروح خطيرة استدعت بقاءها يومين في العناية المركزة.

وعندما استعادت وعيها، كان سؤالها الأول عن زوجها وأبنائها، قبل أن تصطدم بخبر استشهادهم. ولم تنجُ من المجزرة سوى لبنى واثنين من أبنائها الثمانية، لتبقى ذكريات تلك الليلة جرحًا لا يفارقها.

«إحنا مش أرقام».. حكايات خلف الأسماء

لم ترد لبنى أن تختفي حكاية أسرتها وسط الأرقام والإحصائيات، لذلك شاركت في فعالية إطلاق مشروع «أرشيف الحياة»، الذي أطلقه أعضاء منصة «أنتولد فلسطين» في مقر مركز التضامن الإعلامي بمدينة غزة.

ويهدف المشروع إلى حفظ قصص الشهداء كما يرويها ذووهم، وتوثيق صورهم وذكرياتهم وتفاصيل حياتهم، بعيدًا عن اختزالهم في أعداد الضحايا، وذلك بعد سنوات من العمل على جمع الحكايات ضمن حملة «إحنا مش أرقام»، التي انطلقت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

وتقول الصحفية إيمان جاد الله، المشاركة في كتابة القصص، إن فكرة المشروع بدأت مع تصاعد الحرب وارتفاع أعداد الشهداء، بينما ظلت تفاصيل حياتهم وأحلامهم غائبة خلف الأرقام. ومع تزايد تواصل العائلات مع المنصة، ظهرت الحاجة إلى إنشاء أرشيف يحفظ هذه الحكايات على المدى الطويل، خصوصًا في ظل حذف وتقييد المحتوى الفلسطيني على منصات التواصل الاجتماعي.

ولا يقتصر عمل الأرشيف على توثيق ظروف الاستشهاد، بل يمتد إلى استعادة حياة أصحاب القصص، من خلال جمع الصور ومقاطع الفيديو والشهادات، والاستماع إلى العائلات واحترام خصوصيتها وحقها في رواية حكايات أبنائها بالطريقة التي تختارها.

أكثر من ألف حكاية

وتشير وفاء أبو حجاج، عضو فريقي «يُرى» و«أنتولد فلسطين»، إلى أن المشروع يسعى إلى تقديم الفلسطينيين بوصفهم أصحاب حياة وأحلام وعلاقات، لا مجرد مشاهد مرتبطة بالحرب والدمار.

وتوضح أن الفريق تمكن من جمع أكثر من ألف حكاية، بمساعدة شبكة تضم أكثر من 200 مصور ومصورة فلسطينيين، رغم صعوبات انقطاع الكهرباء والاتصالات، وتعقيدات الوصول إلى العائلات، فضلًا عن الأعباء النفسية التي رافقت عملية التوثيق.

وشهدت فعالية إطلاق المشروع افتتاح معرض للصور، وإطلاق الموقع الإلكتروني، إلى جانب عرض أفلام وفقرة موسيقية، في محاولة لإبقاء حكايات الشهداء حاضرة، وحفظ تفاصيل حياتهم وذكرياتهم للأجيال القادمة.

وتبقى حكاية فاطمة حسونة واحدة من مئات الحكايات التي يسعى الأرشيف إلى إنقاذها من النسيان؛ فالمصورة التي خرجت لتوثق حياة الآخرين، أصبحت قصتها هي الأخرى أمانة لدى من عرفوها وأحبوها.